علي بن أحمد المهائمي

509

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وهو وإن كان متوهما فهو نازل منزلة المحقق بالنظر إلى سببه الذي هو الحياة ، فمن هدمها أبطل سببه ، فكأنما أبطله محققا ، وإنما جوّز هدمه بالجهاد والقصاص إبقاء لأهل الكمال القائمين بذكر اللّه تعالى ، وإليه الإشارة بقوله : ( وما أحسن ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ( ألا أنبئكم بما هو خير لكم ) « 1 » أي : من الجهاد وحصول الشهادة ، ( وأفضل ) وإن قال تعالى : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 95 ] ( من أن تلقوا عدوكم ) الذين يريدون هلاككم على الأبد بهلاك دينكم ، ( فتضربوا رقابهم ) ، فتأمنوا على دينكم الذي به سعادتكم ، ( ويضربوا رقابكم ) ، وبه تحصل شهادتكم ( ذكر اللّه ) ؛ لأن المقصود بالجهاد إبقاء أهله فهو أفضل منه ، وإن كان أفضل من تركه ولا يسقط وجوبه بكونه مفضولا عند فعل الأفضل ، كما لا يسقط فعل الصلاة بفعل الإيمان ، ولا فعل الزكاة بفعل الصلاة . ولعل رجوع يونس عليه السّلام بقول : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ عن دعاء الشر على قومه لهذا المعنى ، فذكر اللّه هو المقصود بالذات إذ هو المقصود من خلق الإنسان ، فإنه إنما قصد به أن يعبده ولا يعبده إلا أن يعرفه ، ولا يعرفه ما لم يعرف نفسه ، ولا يعرف نفسه إلا بذكر ربه ، ( وذلك أنه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلا من ذكر اللّه ) لا بأي وجه كان ، بل ( الذكر المطلوب منه ) ، وهو المفيد تزكية النفس ، وتصقيل القلب الموجب رؤية آياته فيه أولا ، ثم رؤيته ثانيا ، ( فإنه تعالى جليس من ذكره ) ، كما قال في الحديث القدسي : « أنا جليس من ذكرني » « 2 » . وليس ذلك بمعنى القرب المكاني لاستحالته في حقّه تعالى ، ولا القرب الذاتي ؛ فإنه حاصل للكل ، ولا بمعنى النظر بأي وجه كان ، بل بمعنى نظر الوجه بحيث يصير المنظور أيضا ناظرا إلى الحق ؛ ولذلك صح أن يقال : ( الجليس ) الحق ( مشهود الذاكر ) ؛ ولذلك قال يونس عليه السّلام : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ دون لا إله إلا هو سبحانه ، وكيف لا والشهود لازم للجلوس اللازم للذكر ، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم ، فهو يدل على انتفاء الجلوس ، وانتفاؤه يدل على انتفاء الذكر ؛ ولذلك يقول : ( ومن لم يشاهد الذاكر الحق الذي هو جليسه فليس بذاكر ) ، وكيف لا يشاهده الذاكر وشهوده لا يزول عن نفسه وقد أشرق عليها نور الذكر ، ( فإن ذكر اللّه ) إذا كان عن حضور القلب ، وجمع الهمم ، وكف القوى عن أعمالها ( سار في جميع العبد ) ، فلا يرى من ذاته التي لا تفارق رؤيتها إلا نور

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) رواه ابن أبي شيبة في « المصنف » ( 1 / 108 ) ، والبيهقي في « الشعب » ( 1 / 541 ) .